ابن عربي
11
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
[ حكايته مع الرومية وحواره حول الحب الإلهي ] قال الشيخ رحمه اللّه : فمن ذلك حكاية جرت في الطواف « 1 » كنت أطوف ذات ليلة بالبيت فطاب وقتي وهزني حال كنت أعرفه ، فخرجت من البلاط من أجل الناس وطفت على الرمل ، فحضرتني أبيات فأنشدتها أسمع بها نفسي ومن يليني - لو كان هناك أحد - وهي قوله : ليت شعري هل دروا * أيّ قلب ملكوا وفؤادي لو درى * أيّ شعب سلكوا أتراهم سلموا * أم تراهم هلكوا حار أرباب الهوى * في الهوى وارتبكوا فلم أشعر إلا بضربة بين كتفي بكف ألين من الخزّ « 2 » ، فالتفت فإذا بجارية من بنات الروم لم أر أحسن وجها ، ولا أعذب منطقا ، ولا أرقّ حاشية ، ولا ألطف معنى ، ولا أدقّ إشارة ، ولا أظرف محاورة منها ، قد فاقت أهل زمانها ظرفا وأدبا وجمالا ومعرفة ، فقالت : يا سيدي كيف قلت ؟ فقلت : ليت شعري هل دروا * أيّ قلب ملكوا فقالت : عجبا منك وأنت عارف زمانك تقول مثل هذا ؟ ! أليس كل مملوك معروف ؟ وهل يصح الملك إلا بعد المعرفة وتمني الشعور يؤذن بعدمها والطريق لسان صدق فكيف يجوز لمثلك أن يقول مثل هذا ؟ قل يا سيدي : فماذا قلت بعده ؟ فقلت : وفؤادي لو درى * أيّ شعب سلكوا فقالت : يا سيدي الشعب الذي بين الشغاف والفؤاد هو المانع له من المعرفة ، فكيف يتمنى مثلك ما لا يمكن الوصول إليه إلا بعد المعرفة ، والطريق لسان صدق فكيف يجوز لمثلك أن يقول مثل هذا يا سيدي ! ؟ فماذا قلت بعده ؟ فقلت : أتراهم سلموا * أم تراهم هلكوا فقالت : أما هم فسلموا ، ولكن اسأل عنك فينبغي أن تسأل نفسك : هل سلمت أم هلكت يا سيدي ؟ فما قلت بعده ؟ فقلت : حار أرباب الهوى * في الهوى وارتبكوا فصاحت وقالت : يا عجبا كيف يبقى للمشغوف فضلة يحار بها ، والهوى شأنه التعميم . يخدر الحواس ويذهب العقول ويدهش الخواطر ويذهب بصاحبه في الذاهبين فأين الحيرة وما هنا باق فيحار والطريق لسان صدق والتجوز من مثلك غير لائق .
--> ( 1 ) الطواف : ( شرعا ) : الدوران حول الكعبة . ( 2 ) الخزّ : ما ينسج من الصوف والحرير ، أو من الحرير وحده ( ج ) خزوز .